اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic personality disorder)

نتعامل مع شخصيات كثيرة في حياتنا، يترك بعضهم أثرًا إيجابيًا بينما يتسبب آخرون بالأذى لنا ولغيرنا، بسبب طباع أو اضطرابات سلبية يعانون منها.. ومن ذلك اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic personality disorder)، الذي قد لا ينتبه له المصاب به بينما يتأذى منه كل من يتعامل معه..

ما هو اضطراب الشخصية النرجسية (Narcissistic personality disorder

هو أحد الاضطرابات الشخصية التي ينجم عنها إحساس مبالغ بالأهمية مع الثقة المفرطة بالذات، والرغبة الكبيرة بلفت الانتباه ونيل إعجاب الآخرين، وكل ذلك يصاحبه انعدام الإحساس بالآخرين والتعاطف معهم.. في الوقت ذاته ينظر المصابون باضطراب الشخصية النرجسية لأنفسهم نظرة سلبية هشة ويشعرون بالفراغ داخليًا، وتزداد حساسيتهم تجاه أي انتقاد قد يتعرضون له -مهما كان صغيرًا، مما يصعّب على الأشخاص من حولهم أن يتعايشوا معهم، فينظرون إليهم على أنهم أنانيون ومغرورون، ومهتمون بتلبية احتياجاتهم ورغباتهم فقط.

يعتقد البعض بأن أصحاب الشخصية النرجسية هم المنغمسون في حب ذواتهم كما في بعض الأطباع البشرية، ولكن الحقيقة مختلفة هنا، فهؤلاء يأخذون الأمور إلى أبعد الحدود، إذ يفكرون ويشعرون ويتصرفون بطرق تؤذي أنفسهم والآخرين، ويصابون بالخيبة والتعاسة إذا لم يحظوا بالتقدير والإعجاب الذي يظنون أنهم يستحقونه.

 

متى تظهر أعراض اضطراب الشخصية النرجسية وما هي أسبابه؟

 

تظهر علامات اضطرابات الشخصية النرجسية عادةً في أواخر سنوات المراهقة وبداية مرحلة البلوغ، وتنتشر الإصابة به بين الذكور أكثر من الإناث.. أما عن أسباب الإصابة به فلم يُعرَف السبب الدقيق لاضطراب الشخصية النرجسية بعد -كما هو الحال في معظم اضطرابات الشخصية والصحة النفسية الأخرى-، إلا أن الدراسات المستمرة حول هذا الاضطراب أثبتت أنه قد ينتج بسبب مجموعة معقدة من العوامل، مثل:

  • العوامل الجينية (أي الصفات الموروثة)
  • البيئة المحيطة بالشخص، بما في ذلك العلاقة بين الوالدين والطفل؛ إما بالتدليل والمديح الأبوي المُفرط أو بالنقد المُفرط وإهمال الطفل وإساءة معاملته.
  • البيولوجيا العصبية (أي العلاقة بين السلوك والتفكير والجهاز العصبي).
  • صدمات تعرض لها في الطفولة (كالاعتداءات اللفظية والجسدية والجنسية).
  • طبيعة الشخصية ومزاجه العام.

وبالتأكيد فإن تعرض أي شخص لأيٍّ من هذه العوامل لا يعني بالضرورة إصابته باضطراب الشخصية النرجسية، فتشخيص هذه الاضطراب وتأكيد الإصابة به لا يكون إلا عن طريق أخصائي نفسي أو طبيب نفسي.

 

ما هي سمات الشخصية النرجسية التي تظهر على المُصاب بهذا الاضطراب؟ وكيف يكون أثرها عليه؟

يعتبر التواضع من أهم السمات التي تميز الأشخاص المتزنين في تقدير ذواتهم، بينما يميل المصابون باضطراب الشخصية النرجسية إلى وضع أنفسهم في منزلة أعلى ممن هم حولهم فيعتبرون أنفسهم الأفضل بين الجميع، ولعل هذه السمة هي الأكثر ارتباطًا باضطراب الشخصية النرجسية بين الناس، فنسمعهم يطلقون وصف "النرجسية" على أي شخص يبدر منه سلوك فيه مبالغة في تقدير الذات، ولكن هذه الصفة لوحدها غير كافية لتشخيص هذا الاضطراب، فهناك سمات وعلامات أخرى إضافية توجد عند المصابين باضطراب الشخصية النرجسية، ومن أبرزها:

–    شعور مفرط بالأهمية.

–    الشعور بالاستحقاق والتوق الى الإعجاب والثناء دائمًا.

–    توقع معاملتهم معاملة خاصة وأن يتم الاعتراف بتفوقهم على الدوام.

–    المبالغة في تقدير المواهب والإنجازات الشخصية.

–    وضع أهداف غير واقعية.

–    التفاعل بشكل سلبي مع النقد الموجه لهم.

–    غضبهم السريع ونفاذ صبرهم عندما لا تسير الأمور كما يرغبون.

–    الانشغال بأوهام ثابتة حول الكمال في النجاح والجمال والسلطة والقوة، وقد يمارسون سلوكيات اندفاعية لتحقيق ذلك.

–    استغلال الآخرين للاستفادة منهم والحصول على ما يريدون.

–    الاعتقاد بأنهم يعرفون الطريق الصحيح دومًا.

–    التصرف بطريقة متعجرفة، والتعامل بغرور وتكبر وأنانية، خصوصًا مع من يعتقدون أنهم أقل شأنًا منهم.

–    الشعور بالفوقية، والرغبة في الارتباط بأشخاص ذوي مكانة عالية فقط.

–    عدم القدرة أو عدم الرغبة في التعرف على مشاعر الآخرين واحتياجاتهم.

–    يضعون أنفسهم أولاً، ويفكرون ويتحدثون عن أنفسهم باستمرار.

–    يحسدون الآخرين ويعتقدون أن الآخرين يحسدونهم.

–    يسعون جاهدين للفوز مهما كلف الأمر.

–    الإصرار على امتلاك الأفضل من كل شيء.

 

تبدو هذه السمات مؤذية لكل من يتعاطى مع المصاب باضطراب الشخصية النرجسية، وهذا صحيح غالبًا، ولكنها أيضًا تؤذي المصاب نفسه وتسبب له مشاكل متعددة، أهمها:

  • اضطراب العلاقات الاجتماعية
  • مواجهة مشاكل مستمرة في العمل والمدرسة وحتى في تنظيم شؤونهم المالية
  • تعاطي الكحول والمخدرات.
  • مشاكل صحية جسدية أو نفسية؛ كالاكتئاب والقلق
  • الأفكار أو السلوكيات الانتحارية

وفي الوقت نفسه، قد يعاني الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية النرجسية من تقليل قيمة ذواتهم، فهم يعانون من مشاكل على الصعيد الشخصي (كصعوبة تنظيم المشاعر والسيطرة على السلوك)، وعلى صعيد التعامل مع الآخرين (ويظهر ذلك من خلال سهولة شعورهم بالإهمال والضعف والإذلال وعدم الأمان)، كما يواجهون صعوبة في التعامل مع التوتر والقلق، ولا يسهل عليهم التكيف مع التغييرات الحياتية المختلفة، ولأنهم يرون أنفسهم مثاليين فقد يشعرون بالاكتئاب وتنتابهم تقلبات مزاجية إذا لم يصلوا للكمال في أي شيء.

تختلف هذه العلامات والأعراض وشدتها من شخص لآخر، ووجود أي منها عند شخص معين لا يعني حتمية إصابته بالاضطراب، فكما ذكرنا سابقًا لا يتم التشخيص إلا عن طريق أخصائي نفسي أو طبيب نفسي..

 

كيف يتم تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية ؟ 

يحدث هناك لبس دائمٌ عند الناس بما يتعلق بوصف "النرجسية"، ففي حين يشاع اعتقاد الكثير من الناس بأنهم نرجسيون، فإن اضطراب الشخصية النرجسية نادر الحدوث، إذ يميل المصابون فعلًا باضطراب الشخصية النرجسية إلى عدم إدراك معاناتهم من مشكلة صحية عقلية، وبالتالي لا يبحثون عن التقييم أو العلاج..

وعند خضوعهم للتقييم والتشخيص، تظهر عقبة أخرى تجعل تشخيص هذا الاضطراب صعبًا، فبعض سمات اضطراب الشخصية النرجسية تتشابه مع سمات اضطرابات الشخصية الأخرى، ولذلك فإن التشخيص هو مسؤولية الطبيب وحده، والذي يتخذ عدة إجراءات وخطوات ليصل إلى التشخيص الصحيح..

إذ يطلب الطبيب من المصاب أن يقوم بتعبئة استبانات معينة، ومن ثم يتطرق للحديث معه عن أنماط التفكير والسلوك لديه، وعن طبيعة علاقاته ومدى ترابطه مع الآخرين على المدى الطويل.. وتعتبر هذه الإجراءات ضرورية ليقوم الطبيب بتحديد أي أعراض رئيسية لاضطراب الشخصية النرجسية، واستبعاد أي حالات صحية عقلية أخرى.

 

هل هناك إجراءات يمكن اتخاذها للوقاية من اضطراب الشخصية النرجسية؟

بالرغم من أهمية معرفة طرق الوقاية من أي مرض أو اضطراب، إلا أنها لا تمنع الإصابة به بصورة حتمية، ونظرًا لأن السبب الدقيق لاضطراب الشخصية النرجسية غير معروف، فليس هناك طريقة معروفة للوقاية منه، ولكن هناك بعض الوسائل المساعدة التي تمكّن المصاب به من السيطرة عليه:

التحدث إلى أخصائي الصحة العقلية والنفسية، والحصول على العلاج في أسرع وقت ممكن في مرحلة الطفولة.

تعلم المصاب لطرق صحية للتعامل مع الصراعات التي تواجهه، وذلك عن طريق المشاركة في العلاجات الأسرية.

التزام الأبوين بدروس في تربية الأبناء وطلب التوجيه من الأخصائيين الاجتماعيين إذا لزم الأمر.

 

كيف يكون علاج اضطراب الشخصية النرجسية ؟

 

يتركز علاج اضطراب الشخصية النرجسية بشكل أساسي حول العلاج بالكلام -المعروف أيضًا باسم العلاج النفسي-، إذ لا توجد أدوية مستخدمة لعلاج هذا الاضطراب بشكل أساسي، ولكن قد يتم استخدام الأدوية في العلاج إذا كان الشخص يعاني من اضطرابات صحية عقلية أخرى كالقلق والاكتئاب.. وهذا الأمر يحدده الطبيب المعالج فقط، فلا يجب أن يتم تناول الأدوية أو التوقف عنها أو إجراء أي تدخل جراحي -أثناء فترة تناول الدواء- دون استشارة الطبيب، فهو المسؤول الأول والوحيد عن تحديد العلاج المناسب لكل حالة.. وعند وجود حاجة للأدوية -يحددها الطبيب- فهذا يعني أنه لا يمكن الاستعاضة عنها بالعلاج بالكلام (العلاج النفسي)..

يساعد العلاج بالكلام على التواصل بشكل أفضل مع الآخرين، ويتيح إمكانية فهم مشاعرهم وسلوكياتهم، وله فوائد أخرى كثيرة، فهو يساعد على:

  • ·         تعزيز احترام الذات
  • ·         وضع أهداف أكثر واقعية، وقبول ما يمكن تحقيقه منها
  • ·         الحفاظ على العلاقات مع الآخرين، ورفع القدرة على التعاون مع زملاء العمل
  • ·         إدراك نقاط القوة والإمكانات لدى الشخص ومعرفة نقاط ضعفه، مما يرفع قدرته على تحمل الفشل أو الانتقادات الموجهة إليه من الآخرين
  • ·         زيادة القدرة على فهم وتنظيم المشاعر

وليؤتي العلاج ثماره، يجب أن يبدي المصاب بهذا الاضطراب استعداده للتغيير ولأن يبذل مجهودًا لتحسين نمط حياته وسلوكياته أثناء خضوعه للعلاج، كأن يتجنب أية أمور تثير سلوكاته وردود أفعاله السلبية (مثل التدخين وتعاطي المخدرات)، وأن يلجأ -بدلًا منها- للأمور التي تعمل على تحسين حالته المزاجية وتدفعه للاسترخاء (كممارسة التمارين الرياضية، وتقنيات اليوغا والتأمل).

 

هل يمكن التأقلم مع اضطراب الشخصية النرجسية؟

قد يستغرق التعافي من الاضطراب وقتًا، لذلك من المهم الاستمرار والحفاظ على الحماس في العلاج لملاحظة الاختلاف، والرجوع للمعالِج وللطبيب وقت الحاجة، والاستعانة بالعائلة والأصدقاء ليدعموا رحلة العلاج وما يمر بها المرء من صعوبات وتقلبات.. وحتى ذلك الوقت، لا بد أن يتعلم المصاب كيف يتأقلم مع أعراض الاضطراب وسماته الظاهرة على سلوكاته وأفكاره.. وذلك بأن:

–    يحاول تغيير سلوكه وطريقة تفكيره وتفاعله مع الآخرين.

–    يحافظ على ذهن منفتح.

–    يركز على الأهداف التي يسعى لها في العلاج، وعلى التغيير الإيجابي الذي سيحصل في حياته.

–    يطلب المساعدة في المشاكل والحالات الصحية الأخرى.

–    يحافظ على مواعيد العلاج ويتبع نصائح طبيبه.

أما إن كنت تعيش مع شخص مصاب أو تتعامل باستمرار في حياتك اليومية (كأن يكون زميل عمل)، فإليك النصائح التالية لتتعامل معه:

–    كن مستعدًا لتغيير العلاقة وقت اللزوم

–    لا تجعل رؤيته لك تؤثر عليك سلبًا

–    لا تأخذ الأمور معه على محمل شخصي

–    ضع حدودًا في تعاملاتك معه

–    لا تتردد في مدحه عندما يفعل شيئا صحيحًا، وتعاطف معه في الوقت المناسب، وفي الوقت ذاته لا تتفادى التصرفات المتعجرفة التي تصدر منه.

–    ضع حججًا مُقنعة لاستدعائه لجلسات العلاج، فتلك الحجج ستفتح عينيه على تصرفاته وسلوكياته التي تسبب المشاكل له ولمن يتعاملون معه، وقد يتسبب استدعاؤه في تنظيم سلوكه ذاتيًا.

–    حاول التخلي عن أي أمر يتطلب موافقته.

–    ابحث عن أشخاص آخرين يدعمونك ويقدرون إنجازاتك.

–    ابحث عن مصادر أخرى للإنجاز في حياتك.

 *** تمت الكتابة والتدقيق من قِبَل فريق إعداد المحتوى

 

المراجع:


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Scroll to Top