اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة – (Obsessive-Compulsive Personality Disorder)

يعدّ الإتقان في العمل وإنجاز الأمور على أكمل وجه من السمات الحسنة التي يمتاز بها الأشخاص المبدعون والذين يسعون دائمًا للتطوّر وإعطاء كلّ شيءٍ حقّه، ولكنّك قد ترى البعض منشغلًا في التحري والتحليل والتنقيب عند استلامه مهمّة أو عملًا معيّنًا يُراد إنجازه بأبهى صوره وكما هو متوقَّع تمامًا، دون إعطاء النفس أي مبرّر أو فرصة للفشل أو الوقوع في الخطأ، هل تسير الأمور هكذا على ما يرام؟ أم أنّ في الأمر تجاوز لحدود الإتقان ودخول في حالة يمكن اعتبارها اضطرابًا نفسيًّا؟ في هذا المقال سنتحدث عن اضطراب الشخصية الوسواسية وما يتعلّق بها من تفاصيل.

 

ما هو اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة؟

اضطراب الشخصية الوسواسيّة (Obsessive-compulsive personality disorder or OCPD)، هو اضطراب في الشخصيّة يظهر على صورة انشغال بالقوانين والنظام والدقة المتناهية والتحكم الصارم والأناقة والتفاني الشديد، والسعي نحو تحقيق الكمال، إضافةً إلى الرغبة الشديدة في فرض المعايير الخاصة على البيئة الخارجيّة، والاهتمام بأصغر التفاصيل على حساب المرونة في الإنجاز والانفتاح لكل ما هو جديد

إذْ يتولد اعتقاد لدى المصاب بأنه دائمًا على صواب بسبب تحليله العميق للأمور وسعيه الدائم لتجنب الوقوع في أي خطأ، فهو لا يدرك وجود الخطأ في سلوكه أو في طريقة تفكيره، وعلى الرغم من أنّ اضطراب الشخصية الوسواسيّة قد يُصيب النساء والرجال دون تمييز، فإنّ الرجال أكثر عرضة للإصابة به مقارنةً بالنساء.

 

 

الفرق بين اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة واضطراب الوسواس القهري

قد يتشابه اضطراب الشخصية الوسواسية واضطراب الوسواس القهري بشعور المصاب بإلحاح شديد على أفعاله والمحافظة على روتينه الصارم، والاستياء من تدخل الآخرين فيه، ولكن عادةً ما يتم الخلط بينهما رغم وجود علامات وخصائص فارقة بينهما، ومن المرجح أيضًا أن يتم تشخيص اضطراب الشخصية الوسواسية مع وجود اضطرابات صحية نفسية أو جسدية أخرى، بما ذلك اضطراب الوسواس القهري، وبشكلٍ عام، في الجدول التالي توضيح للفروقات الأساسية بين كِلا المشكلتين:

 

اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية

اضطراب الوسواس القهري

اضطراب في الشخصية.

أحد اضطرابات القلق النفسي.

أفكار وسلوكيات يؤمنون بصحتها.  

أفكار وسلوكيات غير مرغوب بها، وقد تكون مصدرًا للحزن والتعاسة.

غالبًا ما يبدأ في سنوات المراهقة أو أوائل فترة العشرينات.

يبدأ غالبًا في مرحلة الطفولة.

سلوكيات لا تنتج عن اندفاع أو توجّه قهري، وإنما يُمكن السيطرة عليها ويوجد اعتقاد بأنّها هادفة. 

أفكار وسلوكيات قهرية، لا يمكن السيطرة عليها.

سلوكيات مستمرة وثابتة، لا تتغير على المدى الطويل، وموجودة في كلّ مجال من حياة الشخص.

سلوكيات متذبذبة، تبعًا لمستوى القلق، فهذه السلوكيات تساعد على التعامل مع الخوف والقلق والشكّ.


 

 

صفات المصابين باضطراب الشخصيّة الوسواسيّة

يعاني المُصاب باضطراب الشخصية الوسواسية من صعوبة إتمام المهام وحل المشكلات، والانسحاب عاطفيًّا عند فقدان السيطرة على الموقف، ويُعزى ذلك إلى سعيهم الدائم نحو الكمال حتى في أدقّ التفاصيل، ومن الخصائص الأخرى التي يتمتع بها أصحاب هذا الاضطراب:

– التفاني الشديد في العمل، وعلى حساب العلاقات الاجتماعيّة.

– الاعتقاد الجازم بصحّة السلوكيات والأفكار الناجمة عنهم.

– اكتناز كل ما هو قديم أو عديم الفائدة، وعدم القدرة على التخلص منه.

– التفكير بطريقة مادية، والاقتصاد الشديد في صرف المال، عدم الاتصاف بالكرم.

– صعوبة التواصل مع الآخرين.

– التحفظ والعزلة الاجتماعيّة.

– برودة المشاعر، وصعوبة التعاطف مع الآخرين أو الحفاظ على استمرار العلاقات العاطفية.

– الرغبة في السيطرة على العلاقات الشخصية والبيئة الخارجية، وفرض المعايير الخاصة عليها.

– الالتزام الصارم بالقواعد الأخلاقيّة.

– عدم الرغبة في تفويض الأعمال للآخرين، بسبب الخوف من التقصير.

– اتباع سلوكيات ثابتة، وانعدام المرونة.

– الحاجة الماسة للترتيب والتنظيم.

– الالتزام الصارم بالقواعد وقوائم المهام والتفاصيل والمواعيد المحددة.

– وجود مشكلات في الهوية الذاتية أو التوجّه، أو الاثنين معًا.

– الشعور بالسخط والغضب في كثيرٍ من الأحيان.

– المعاناة من مضاعفات الاضطراب، كالقلق أو الاكتئاب بسبب العزلة الاجتماعية وصعوبة التحكم بالغضب، وقلة الإنتاجيّة، وصعوبة تكوين علاقات وثيقة مع الآخرين، ومع ذلك، قد يتمكّن أصحاب اضطراب الشخصيّة الوسواسية من التحكّم ببعض المضاعفات الأخرى الشائعة، كتعاطي المخدّرات، وإدمان الكحول.

 

 

اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة والعلاقات العاطفية

تكوين علاقة عاطفية مع شخص يعاني هذا الاضطراب قد يتخلّله تحديات عديدة، أهمها رغبته المتواصلة في السيطرة على الأمور والتخطيط للتفاصيل الصغيرة، والشعور بأنّ اهتمامه بالنظافة أو النظام له أولويّة كبيرة في حياته على حساب علاقته، ممّا يسبّب الضجر والاستياء من قِبل الشريك.

كذلك يُشعِر المُصاب نفسه بعدم التوافق مع المحيطين به، وأنهم لا يسيرون وفق القواعد والقوانين التي يتبعها ويُعطيها أهميّة كبيرة في حياته، فيكون مستاءً منهم ويتمنى لو أن بإمكانه إجبارهم على اتباع قوانينه، ومع ذلك، يُمكن إيجاد طريقة فعّالة للتعايش مع المُصاب باضطراب الشخصية الوسواسيّة بسلام وبعيدًا عن الخلافات.

 

ما هي أسباب اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة؟

لم يُحدّد الأطباء والباحثون السبب الدقيق للإصابة باضطراب الشخصية الوسواسية، ولكنّه مع ذلك قد يرتبط بمجموعة من العوامل التي تظهر خلال نشأة الطفل، مثل:

– العامل الجيني، ووجود أفراد في العائلة يعانون هذا الاضطرابات النفسيّ، ممّا يزيد من فرصة الإصابة به أيضًا.

– الطفولة والبيئة المحيطة، فقد يتطوّر هذا الاضطراب بسبب تعرض الشخص في مرحلة الطفولة لعوامل معينة، مثل: عدم حصوله على الرعاية الكافية من قبل ذويه أو مقدمي الرعاية، أو قضاء مرحلة الطفولة دون تطوّر عاطفيّ، أو امتلاك أبوين شديدي الحماية والتحفّظ، أو عدم القدرة على تكوين تعلّق آمن مع الوالدين أو مقدمي الرعاية، فينشأ لديه إحساس بالحاجة للوصول إلى الكمال واتباع القوانين وهو ما قد ينجم عنه استمرار هذه الصفات حتى في البلوغ.

 

 

كيف يتم تشخيص اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة؟ 

تشخيص اضطراب الشخصيّة الوسواسية هو مسؤوليّة الطبيب وحده، وعند مراجعته فهو غالبًا ما:

– يبدأ بطرح الأسئلة لتقييم الحالة وتحديد الوقت الذي ظهرت فيه الأعراض، ومعرفة مقدار شدتها وتأثيرها على إنجاز الأعمال اليومية، سواءً في العمل أو في المدرسة أو في مجال العلاقات الاجتماعية والعاطفية.

– يُجري أيضًا اختبارات وفحوصات مخبرية وجسديّة لاستبعاد وجود مشكلات أخرى. 

 

ويُشخَّص الاضطراب بالاعتماد على الأعراض التي وردت في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، الإصدار الخامس (DSM-5)، وأنْ تؤثر هذه الأعراض في القدرة على إنجاز المهام اليوميّة، وذلك بعد استبعاد الإصابة بالاضطرابات التي قد ينجم عنها سلوك مشابه، كاضطراب الوسواس القهري (OCD)، واضطرابات الأكل، واضطراب طيف التوحد، وغيره.

 

 

ما هو علاج اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة؟ 

تتضمن خيارات علاج اضطراب الشخصية الوسواسية القهرية جانبين؛ العلاج النفسي، والعلاج الدوائي، وهي موضَّحة في الآتي:

 

العلاج النفسي

ويندرج تحت العلاج النفسي:

– العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy): يقع هذا العلاج على رأس الهرم ويعتبر الأكثر فعاليّة في السيطرة على اضطراب الشخصيّة الوسواسيّة، إذ يُقدّم هذا العلاج ضمن عدد من الجلسات العلاجية المنسّقة بين الطبيب والمريض بهدف التحدث عن أنماط التفكير والسلوك السلبيّ وتغييرها، والتحدث بالمشاكل الصحية الأخرى إن وجدت؛ كالاكتئاب والقلق.

– العلاج النفسي الديناميكي (Psycodynamic Therapy): يوفّر هذا العلاج للفرد إمكانية التعمّق في نفس المُصاب لفهم طبيعة مشاعره وأفكاره، وبعد ذلك يتمكّن من اتخاذ الخيارات السليمة في حياته اليومية.

– النيدوثيرابي (Nidotherapy): والذي يركّز على إجراء تعديلات في بيئة المُصاب بهدف تحسين صحته النفسيّة.

 

العلاج الدوائي

قد يصِف الطبيب أدوية معيّنة لتقليل المضاعفات الناجمة عن اضطراب الشخصية الوسواسية، مثل: أدوية القلق والاكتئاب، ومع ذلك لا يجب استخدام هذه الأدوية دون إشراف طبي، أو التوقف عنها دون استشارة الطبيب المعالج، فهو المسؤول فقط عن تحديد العلاج المناسب لكل حالة، كما ويجب إعلام الطبيب أو الصيدلاني عن استخدام أيّة أدوية قبل البدء باستخدام دواء آخر أو الخضوع لجراحة معيّنة.

 

 

نصائح للمصاب باضطراب الشخصيّة الوسواسيّة

تتوفّر العديد من الاستراتيجيّات والنصائح التي يمكنك تعلّمها للتعامل بأسلوب سليم مع اضطراب الشخصية الوسواسية والسيطرة على أعراضها، ومن أهم هذه النصائح:

– الاهتمام بتثقيف النفس حول الاضطراب، فالتعرف على حالتك سيكون بمثابة وضع مرآة أمامك تسهّل عليك استكشاف نفسك وأفكارك التي تتسبب في ظهور سلوكياتك السلبيّة، والتقدم بخطوات إيجابيّة نحو التأقلم مع المشكلة.

– العناية بالذات، إذ أنّ لنفسك عليك حقّ برعايتها وتوفير سبل العيش الكريم لها، بهدف الموازنة بين الدفتين (نفسك من جهة وعملك من جهةٍ أخرى). 

– السيطرة على التوتر قدر الإمكان، والتعامل المرن مع الأمور التي تعترض طريقك، وقد يُفيدك في هذه الحالة اتّباع بعض طرق المساعدة، مثل: تناول وجبات طعام صحية وغنية بالعناصر الغذائية المفيدة، وممارسة التمارين الرياضية بانتظام، والحصول على قسط كافٍ من الراحة والنوم ليلًا، وتطبيق التنفس العميق والتركيز على عمليتيّ الشهيق والزفير، والتأمل، وغيرها من وسائل تخفيف التوتر، فالخوف من الوقوع بالخطأ أو الفشل في أداء المهام سيودي بك إلى طريق مسدودة تتخبّط فيها عواطفك على نحوٍ كبير.

– ممارسة تمارين الاسترخاء، مثل اليوغا والتنفس العميق والتأمل واليقظة الذهنية والبيلاتس والتاي تشي للمساعدة على الاسترخاء وتخفيف حِدّة التوتر والقلق وأعراض اضطراب الشخصية الوسواسية الأخرى.

– التعاطف مع الذات وتقبل الواقع، فلن تجلب التوقعات المرتفعة سوى الإحباط وتضخيم حجم العيوب والأخطاء عند وقوعها، وعدم تقبلها بسلاسة.

– اتباع أسلوب الحديث الإيجابي مع الذات وعدم الاستسلام للأفكار والكلمات المُحبطة.

– تحرير المشاعر وعدم كبتها، فمن الطبيعي التعبير عن المشاعر المزعجة التي تواجهك كأي شخص آخر، سواء كانت مشاعر حزن أو غضب أو خوف أو خيبة. 

– حل المشكلة بدلًا من إلقاء اللوم على النفس واتهامها بالتقصير، وبإمكانك أيضًا تقبّل الموقف وإعادة تقييمه إن تعسّر حله.

– اطلب المساعدة من أخصائي الصحة النفسيّة، وقم بالبحث عن مجموعات المساعدة والدعم المتخصصة في مجال اضطراب الشخصية الوسواسية، فهذا قد يساعدك على معرفة الاضطراب أكثر، وتعلم مهارات جديدة للتعامل معه.

 

غالبًا لا يدرك المصابون باضطراب الشخصية الوسواسيّة معاناتهم من هذا الاضطراب، وأنه قد يؤثر بسلبيّة على العديد من جوانب حياتهم، لذلك، إذا كان لديك من يعاني هذا الاضطراب أو أخبرك أحدهم بملاحظة المشكلة لديك، يكون حينها من الضروريّ التعاون مع أخصائي صحة نفسيّة يساعدك على التعامل مع الحالة باتباع سلوكيات وتقنيات معيّنة، إلى جانب العلاج النفسي والدوائي الذي يُحدَّد بعناية، فالعديد من الأشخاص يُمكنهم التعايش مع مشكلتهم والتخفيف من أعراضها وتحسين جودة الحياة بحصولهم على المساعدة الطبيّة والنفسية المناسبة.

 

*** تمت الكتابة والتدقيق من قبل فريق إعداد المحتوى

 

المراجع:

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Scroll to Top